المشاركات

في ذكرى الهجرة : تأملات في الظاهرة النبوية

صورة
     في مطلع كل سنة هجرية يحتفي المسلمون في كل بقاع المعمورة بهذه الذكرى الدينية ذات الشأن الكبير في موروثهم الديني، و لما تحمله من دلالة رمزية و لحظة تاريخية فارقة في حسم موازين القوى في عصر الرسالة بعد مخاض عسير  و تنكيل بالمسلمين. و لما جاء أمر الهجرة لم يتردد الجيل الأول من الصحابة في تلبية نداء "الزعيم الايديولوجي" (الرسول) بتعبير علي شريعتي (1)، و خرجوا من مكة في اتجاه المدينة لتدشين مرحلة جديدة في الصراع، و بداية تشكل جماعة سياسية جديدة (الامة) قائمة على تعاقد طوعي/البيعة، في مقابل السلطة القبيلة (قريش) القائمة على رابطة الدم بزعامة الرسول(ص) بالمدينة. لكن حتى لا أسترسل أكثر في سرد معطيات التاريخ، بل الهدف  إعادة قراءة التجربة النبوية/الظاهرة النبوية في شموليتها، و بالأخص لحظة ما بعد الهجرة إلى المدينة و تأسيس جماعة سياسية  موازية للقبيلة بمكة. و الذي حملني على كتابة المقالة هو القراءة الرائجة حول الظاهرة النبوية، حيث يزعم التصور السلفي ذي القراءة الحرفية للنص القرآني و ليس المقصود فئة بعينها، أن التجربة النبوية/الظاهرة النبوية تمثل أجمل تحقق ت...

لمـاذا الـديــــــــــن ؟

صورة
لم يجانب المؤرخ الاغريقي "بلوتارك" الصواب لما قال: "من الممكن أن تجد مدن بلا أسوار و بلا أدب و بلا مسارح، و لكن أحد لم ير  قط مدينة بلا معبد".  فمن الصعوبة فهم عمق هذا الكلام إلا عندما نفهم طبيعة تلك العلاقة العضوية الموجودة بين الدين و الإنسان،  و قد حاولنا في مقالتنا الأخيرة (ما الإنسان) إستكشاف الطبقات المكونة لهذه الذات المركبة، و خلصنا إلى أنه الإبن البار للطبيعة و منشأه الأصلي هو (دائرة الطبيعة)، ثم بعدها تمرد على فطرته و إستقر في (دائرة القيمة)، و الصراع بين هاتين الدائرتين هو الذي يشكل لنا ما نسميه بالإنسان على شكل وحدة أضداد. و ختمنا كلامنا بسؤال رئيس و هو كيف ننتقل من "الانسان الطبيعي/الأولي" إلى "الإنسان التجاوزي"؟   و بتعبير أدق،   كيف يمكن للمصطلح القراني "الـكــدح" أن يساعد الإنسان في أن ينهى نفسه عن الهوى (دائرة الطبيعة) و يبلغ جنة    المأوى (دائرة القيمة) ؟ صحيح أن الإسلام اعترف بالإنتماء الطبيعي الأولي للإنسان، و أنه تجاوزه في لحظة النفخة الإلهية، لكنه كذلك أقر بضعفه أمام إنجذاباته الغريزية (وَخُلِقَ ا...

ما الإنســـــــــــــــــــان ؟

صورة
إن أية محاولة و مغامرة فكرية تهدف البحث في الظاهرة الإنسانية و التعمق فيها، لن يكتب لها النجاح ما لم تتجه نحو الأعماق من خلال ممارسة فعل الحفر للوقوف عند الطبقات المكونة للإنسان. فتركيبة هذا الأخير أشبه ما تكون  بالتركيبة الجيولوجية المتراكمة فوق بعضها البعض، و لا يستقيم فهم مكوناتها إلا بادراك شمولي كلي لمحتوى جميع تلك الطبقات. فالإنسان مركز دائرة الإشكال الفلسفي، فكل موضوع  يطرح على طاولة النقاش إلا و تكون أبعاده متصلة به، فهو  مفهوم حربائي لا يمكن حصر دلالاته في بعد واحد. و نظرا للاعتبارات السالفة الذكرة و المميزة للظاهرة الإنسانية، سنحاول خوض غمار هذه المغامرة الفكرية و الغوض في أعماق هذا "الكائن" متسلحين بحذر شديد و نفس عميق للحفر في أغوار طبقاته؛ فخصوصية الإنسان تكمن في ذاته لا خارجه، فهو وحدة الأضداد و جامع للنقيض و نقيضه في الان نفسه، و هويته مزدوجة و موزع  بين "دائرة الطبيعة" و دائرة القيمة". فهو مشدود إلى السماء (وفق تعبيرسيد قطب) و في الان ذاته تجذبه الأرض و الطين، و حركته التذبذبية بين هاتين الدائرتين هي ما أطلق عليه النص القراني ب ((الك...

لماذا العلمـــــــانية ؟

صورة
يتسربل مصطلح "العلمانية" بغلالة كثيفة من الغموض، وتتشعّب مدلولاته حتّى ليعسر على الباحث الإمساك بأطرافه. فكلّ بحث يتّخذ من هذا المفهوم موضوعا له و يحاول صياغة تعريف حسب مزاجه كي يؤسس عليه أطروحته؛ بين من يعتبرها مفهوم "مُغترب" نشأ في بيئة و إطار حضاري مغاير لنا كيفا و نوعا، و بين من يعتبرها ضرورة "حضارية" للخروج من دوامة التخلف و إكسير الحياة للنهضة المأمولة و المجهوضة. من البداهة بمكان أن "العلمانية" مفهوم أول ما ظهر كان في الغرب بعد الإصلاح الديني الذي عرفته أروبا، و الذي أدى إلى فصل السلطة السياسية (الدولة) عن السلطة الدينية (الكنيسة) و لكنه عرف طفرات مع  توالي السنوات و تعددت دلالاته حسب كل مجتمع و مستوى التقدم فيه، كما عرفت علاقة الدولة بالدين في الفضاء الأروربي حركة متذبذبة؛  من علمانية صلبة رافضة لأي حضور ديني و لرموزه في الفضاء الخاص و العام على حد سواء، و تجلى بالخصوص في النموذج الفرنسي اليعقوبي و هو ما أطلق عليها المفكر المصري عبد الوهاب المسيري "العلمانية الشاملة" ، و علمانية مرنة مع الرمز الديني و تكون الدولة...

اللهم أرزقني إيـــمان ليسنغ لا إيمان العجائز

صورة
بعد إمساك عن التدوين زهاء ثلاثة أشهر للإلتزمات دراسية لا تترك الوقت الكافي للإنسان الخلوة بنفسه بغية التأمل و الاستكشاف المعرفي، كما أنه ما كانت عندي نية لأكتب أية مقالة، غير أن الذي أثار فضولي و دفع بأناملي كي تخط هذه الأسطر هو ما دار في نقاش بيني و بين ثلة من الأصدقاء في لقاء أسبوعي منصرم، أو ما يسمى في أدبيات الحركة الاسلامية -الجلسة التربوية-. حيث كان الدرس كما جرت العادة من إلقاء أحد الحاضرين، و في المداخلات ذهب بنا الحديث بعيدا عن الأرضية الأصلية للنقاش؛ حيث وجدنا أنفسنا في حديث على موضوع (الالحاد) و ما يطرحه من إشكالات . تعددت المداخلات و تشعبت الفكرة أكثر فأكثر، و في حديثي عن "أصل الشر" كونه أهم الحجج التي يستند إليها الدهريون، باعتبار أن الاديان لا تقدم إجابة كاملة تكفي لطي إشكالية الشر في الوجود و كيفية تدخل الإله. إذ نجد إجتهادات الدهريين لتفسير و فك شفرة الإشكال المطروح، حيث ضربت لهم مثلا بنظرية "نيوتن"؛ كون الشر الموجود في العالم، و إنتشار الظلم على الحق في كثير من المواقع راجع إلى كون الإله رفع يده عن الأرض بعد أن جعل فيها قوانين في...

الحركــة التلمذيـــة: نظرات في الفكــــر و المســــار

صورة
ليس من السهل الإحاطة بتاريخ الحركة التلمذية بكل تجلياته و شعابه الوعرة، لكن تبقى فكرة توثيق جزء من هذه الذاكرة مشروع طموح، و إنجاز تاريخي ملئ بالإكتشافات، بالرغم مما يصاحب هذا التاريخ من ضفاف للتعقيد و التعسير، و مناطق اللبس و العتمة. فمن خلال السنوات الخمس الأخيرة من تجربة "الصحوة"، ترسخت عندي قناعتان: الأولى أن ذاكرة الحركة التلمذية تحتاج إلى توثيق و تجميع، لأنها لا تقل عن نظيرتها الطلابية. و الثانية أن العمل التلمذي من أهم مراحل تكوين الإنسان، بالإضافة إلى العمل الطلابي  و دوره في بناء وعي نقدي تجاوزي لكل المسلمات السابقة. و للتذكير، فقد كانت غاية المجلة هو إعادة الإعتبار لتاريخ المدرسة المغربية المنسي في المقررات الدراسية، و إحساس التلميذ بمتعة الإطلاع على ماضي مدرسته و موروثها النضالي. و لم يكن بالأمر اليسير تحقيق هذه الغاية  و ليس بين أيدينا الوثائق اللازمة المؤرخة لهذه الذاكرة. لذلك، فأهم إنجاز خلفته مجلة "الصحوة" بعد هذه السنوات، هو نجاحها في تجميع ذاكرة الحركة التلمذية بمدينة تيزنيت، التي تؤرخ لمجموع تحركات تلاميذ من أبناء الحركة، . و بالتالي، تكمن ...

إسلامــــــنا المفترى عليـــه: ضرورة الخلاص من أدلجة الدين

صورة
لعلي لا أغالي لو قلت بأن   أجواء الفرح و البهجة  تعانق المسلمين هذه الأيام في مختلف المعمورة، فالناس على  طبعهم  دأبوا على تخليد ذكرى ولادة أو وفاة زعيم أو قائد كان له الأثر البالغ في حياتهم. و هذا جلي عند الحركات الإصلاحية بمختلف مشاربها و مرجعياتها، حيث نجدها  تحيي  ذكرى مؤسسها الأول و المنظر لمشروعها الإصلاحي. و بالتالي، كيف لا يكون  الفرح بالمسلمين هذه الأيام و هم يخلدون ذكرى ولادة الرسول (ص)  و هو من كبار الرجال في التاريخ الإنساني، الذي قاد أعظم حركة إصلاحية منذ ما يزيد عن 14 قرنا و ما تزال روحها تسري في صمت. فالذي ميز الرسول (ص)  كإنسان عن باقي زعماء الحركات الإصلاحية بالرغم من نبوته، هو أن  فكرته الإصلاحية بقيت خالدة حتى بعد وفاته، و لم يُقيد وجودها برمز سياسي (دولة أو إمبراطورية..) أو أشخاص و زعمات. إذ نجد أن الدولة الأموية و العباسية جعلت من الإسلام مرجعية لها  و الأمر نفسه بالنسبة للامبراطورية العثمانية، لكن التاريخ يذكرنا بأن هذه التنظيمات السياسية سقطت و بقي الإسلام خالدا من بعدها. كما عرف تاريخنا رجال مجددون ...